محمد جواد مغنية
167
في ظلال نهج البلاغة
كان معاوية حاضرا يوم الغدير - أي حين قال النبي ( ص ) في حق علي : من كنت مولاه فعليّ مولاه - وأيضا كان حاضرا يوم تبوك حين قال النبي لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى . . ومعاوية يعلم أن النبي قال لعلي : « حربك حربي وسلمك سلمي ، اللهم عاد من عاداه » . . وليس هذا بشيء وان سمعته الأذن ورأته العين ما دام القلب تائها عنه وعن الحق وأهله . ( فاحذر الشبهة واشتمالها على لبستها ) . المراد بالشبهة هنا إلصاق دم عثمان بالإمام كذبا وافتراء ، وباشتمالها ان معاوية تبنى هذه الشبهة الكاذبة وجعلها دينه وديدنه ، أما « على لبستها » فمعناها ان معاوية تبنى هذه الشبهة على علاتها وآفاتها : وهكذا يسلك معاوية مدارج أسلافه المشركين الذين تصدوا لرسول اللَّه وحاربوه أول ما حاربوه بالإعلام الخادع والدعاية الكاذبة ، وقالوا : مجنون . . وطالب ملك . . ثم عبأوا الجيوش لحربه . . ونفخ معاوية أكاذيبه وأضاليله ضد الإمام ، ثم حشد جيوش الشام لحرب المسلمين والاسلام . ( فإن الفتنة طالما أغدفت جلابيبها ) لبست ثوب النفاق والرياء ، وظهرت بغير واقعها وحقيقتها ، والجلباب في هذه الفتنة هو قميص عثمان ستر به معاوية ما يهدف اليه من شتات المسلمين وسفك دمائهم ، وتعدد آرائهم وأحزابهم ليتسلل من خلال ذلك إلى الحكم والسيطرة . . وكلنا يعلم أن اللصوص وقطَّاع الطرق لا يصلون إلى المناصب إلا إذا تفاقم الانشقاق ، وعمت الفوضى ، وساد الفساد ( وأغشت الأبصار ظلمتها ) كما أن الفتنة تتخذ من الرياء حجابا فهي أيضا تضع على العيون منظارا أسود يحجبها عن رؤية الحقائق والوقائع . ( وقد أتاني كتاب منك ذو أفانين ) من الزخرف والتزويق ، والغرور والأضاليل ( ضعفت قواها عن السلم إلخ ) . . الهاء في قواها يعود إلى أفانين القول ، والمعنى ان كتابك كله شر وجهل ، وحمق وغطرسة ، ومع هذا تريد الولاية على الناس . وهل يصلح الجاهل المخادع للحكم والسلطان ، وكيف تطمح اليه ، وأنت ( كالخائض في الدهاس ) أي في أرض من وطأها غارت رجلاه وخارت قواه ( والخابط في الديماس ) أي في الظلمات ، يقال : ليل دامس أي مظلم . ( وترقيت إلى مرقبة بعيدة المرام إلخ ) . . طلب معاوية من الإمام أن ينص عليه بولاية العهد من بعده ، كما نص هو على ولده يزيد ، فوبخه الإمام وقال له : لست هناك ، فإن الذي تريد هو منك بمكان النجم في السماء ، والطير في